سي نيوز

الأخبار أينما كنت

أخبار

حسن عبداللطيف يكتب: الجغرافيا تصنع الاقتصاد .. لماذا تزداد أهمية مصر في خريطة الطاقة العالمية؟

حسن عبداللطيف الخبير الاقتصادي يري ان مصر لديها الفرصة لتحويل التوترات الجيوسياسية إلى مكاسب لوجستية في تجارة الطاقة العالمية

ففي عالم تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية وتتغير فيه خريطة سلاسل الإمداد العالمية، تعود الجغرافيا لتلعب دورًا حاسمًا في تحديد مراكز القوة الاقتصادية، فالموقع الجغرافي لم يعد مجرد عامل ثابت في معادلة التنمية، بل أصبح أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي يمكن للدول توظيفها لتعزيز مكانتها في الاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، تبرز مصر باعتبارها واحدة من الدول التي تمنحها الجغرافيا موقعًا فريدًا في قلب حركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.

التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، وما يصاحبها من توترات في أسواق الطاقة والممرات البحرية، تعيد تسليط الضوء على أهمية الممرات الاستراتيجية مثل قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب. وبالنسبة لمصر، فإن هذه التحولات تضع الاقتصاد الوطني أمام معادلة دقيقة تجمع بين الضغوط الاقتصادية قصيرة الأجل والفرص الاستراتيجية طويلة الأجل.

أولًا: الضغوط الاقتصادية في بيئة دولية مضطربة

تنتقل آثار التوترات الجيوسياسية إلى الاقتصادات الناشئة عبر عدة قنوات رئيسية، يأتي في مقدمتها سوق الطاقة. فارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا يؤدي إلى زيادة تكلفة الواردات بالنسبة للدول المستوردة للطاقة، وهو ما قد ينعكس على تكلفة الإنتاج والنقل ويضيف ضغوطًا تضخمية على الاقتصاد المحلي.

كما أن الاضطرابات الإقليمية غالبًا ما تؤدي إلى تغير سلوك المستثمرين العالميين، حيث تميل الأسواق في أوقات الأزمات إلى ما يعرف اقتصاديًا بظاهرة “النفور من المخاطرة”، ما يدفع جزءًا من رؤوس الأموال إلى الخروج من الأسواق الناشئة والاتجاه نحو الأصول الآمنة. وهو ما يفرض تحديات إضافية على استقرار أسواق المال وسوق الصرف في تلك الدول.

إلى جانب ذلك، فإن التوترات في الممرات البحرية الحيوية قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وهو ما قد يؤثر على حركة التجارة العالمية ويخلق حالة من عدم اليقين لدى شركات النقل البحري. ومع أهمية قناة السويس كممر رئيسي لنحو 12% من التجارة العالمية، فإن أي تغير في أنماط الملاحة الدولية يظل عاملًا مهمًا في معادلة الاقتصاد المصري.

غير أن قراءة هذه التحديات بمعزل عن الفرص الاستراتيجية الكامنة قد تقدم صورة غير مكتملة للمشهد الاقتصادي.

ثانيًا: خبرة اقتصادية متراكمة في إدارة الصدمات

من المهم الإشارة إلى أن الاقتصاد المصري لم يواجه مثل هذه الضغوط للمرة الأولى. فمنذ اندلاع الحرب في غزة وما تبعها من توترات في البحر الأحمر، تعرض الاقتصاد المصري بالفعل لاختبارات حقيقية على مستوى حركة التجارة والطاقة وتدفقات النقد الأجنبي.

ورغم هذه الضغوط، أظهرت المؤشرات الاقتصادية درجة ملحوظة من القدرة على التكيف، حيث تمكنت السياسات الاقتصادية من احتواء جزء كبير من آثار الصدمات الخارجية عبر مزيج من الإجراءات النقدية والمالية، إلى جانب تعزيز الاحتياطيات الأجنبية والاستفادة من تدفقات الاستثمار المباشر.

هذه التجربة العملية منحت مؤسسات الاقتصاد المصري قدرًا أكبر من الخبرة في إدارة الأزمات والتعامل مع التقلبات في الأسواق العالمية، وهو ما يعزز من قدرة الاقتصاد على مواجهة موجات جديدة من الضغوط الإقليمية.

ثالثًا: البنية التحتية كأداة للقوة الجيو-اقتصادية

إذا كانت الأزمات الجيوسياسية تفرض ضغوطًا على الاقتصادات، فإنها في الوقت ذاته تعيد إبراز أهمية الدول التي تمتلك بنية تحتية استراتيجية قادرة على خدمة التجارة والطاقة العالمية. وفي هذا الإطار، تظهر مصر كواحدة من الدول القليلة التي تجمع بين موقع جغرافي استثنائي ومنظومة بنية تحتية متكاملة لعبور الطاقة والتجارة.

فإلى جانب قناة السويس، تمتلك مصر خط أنابيب سوميد الذي يربط بين ميناء العين السخنة على البحر الأحمر وميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، بطاقة نقل تقارب 2.5 مليون برميل من النفط يوميًا. ويوفر هذا الخط مسارًا بديلًا لنقل النفط القادم من الخليج إلى الأسواق الأوروبية، خاصة في أوقات التوترات الجيوسياسية التي قد تؤثر على حركة الناقلات في بعض الممرات البحرية.

كما أن التطوير الكبير الذي شهدته الموانئ المصرية خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها ميناء العين السخنة وميناء الإسكندرية، يعزز من قدرة مصر على لعب دور أكبر في الخدمات اللوجستية للطاقة، بما يشمل التخزين وإعادة الشحن وتقديم خدمات الإمداد للسفن.

ولا تقتصر هذه القدرات على قطاع النفط فقط، إذ تمتلك مصر أيضًا محطتي إسالة للغاز الطبيعي في إدكو ودمياط، وهو ما يمنحها موقعًا مهمًا في معادلة إمدادات الغاز للأسواق الأوروبية في ظل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي.

رابعًا: قراءة استراتيجية للاستثمار في البنية التحتية

في هذا السياق، تبرز أهمية القراءة الاستراتيجية التي تبنتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية فيما يتعلق بالاستثمار في البنية التحتية. فالتوسع في تطوير شبكة الطرق القومية، وتحديث الموانئ البحرية، وتعزيز القدرات اللوجستية في محيط قناة السويس، لم يكن مجرد توسع إنشائي، بل يمكن قراءته اليوم في إطار رؤية جيو-اقتصادية تهدف إلى ترسيخ موقع مصر كمحور رئيسي لحركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.

ومع تصاعد التوترات في الممرات البحرية العالمية، يتضح أن هذه الاستثمارات وفرت لمصر قدرًا أكبر من المرونة الاستراتيجية، حيث أصبحت قادرة على توظيف أصولها الحيوية مثل قناة السويس وخط سوميد والموانئ المطورة لتقديم بدائل لوجستية فعالة لنقل الطاقة والتجارة الدولية.

خامسًا: من ممر عبور إلى مركز إقليمي للطاقة

إن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي اليوم تفتح أمام مصر فرصة لإعادة تعريف دورها في خريطة التجارة والطاقة العالمية. فبدلًا من الاكتفاء بدور الممر لعبور التجارة، يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمي متكامل للخدمات اللوجستية والطاقة.

ويتحقق ذلك من خلال تعزيز التكامل بين الموانئ المصرية والمناطق الصناعية واللوجستية، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يسمح بخلق أنشطة اقتصادية ذات قيمة مضافة أعلى مثل التخزين والمعالجة وإعادة التصدير.

كما أن التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر يمكن أن يعزز من موقع مصر في أسواق الطاقة المستقبلية، ويمنحها دورًا أكبر في التحولات العالمية نحو مصادر طاقة أكثر استدامة.

في النهاية، تؤكد التطورات الجيوسياسية في المنطقة حقيقة اقتصادية أساسية: فالجغرافيا لا تفرض التحديات فقط، بل تخلق أيضًا فرصًا استراتيجية للدول التي تمتلك القدرة على توظيف موقعها وبنيتها التحتية بشكل فعال.

وبالنسبة لمصر، فإن الجمع بين الموقع الجغرافي الفريد والبنية التحتية المتطورة يمنحها فرصة حقيقية لتعزيز مكانتها في خريطة الطاقة والتجارة العالمية. وفي عالم يعاد فيه رسم مسارات الطاقة وسلاسل الإمداد، قد تصبح قدرة الدول على توظيف الجغرافيا الاقتصادية هي العامل الحاسم في تحديد موقعها في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.